Page 49 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 49
47 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
أنه وحده عا ٍر يدور وسط غرفة الجلوس ،يرقص من المُستنقع الذي انغرس فيه دولابا دراجتها
دون وجود أي موسيقى ،شعر بالخزي من نفسه». الهوائية ،لوح لها بيده وهو يصرخ بمرح طفولي:
إنه جحيم المؤلف الذي ترك فيه شخصيته وأعطاها انتظري سوف أساعدك .جرى نحوها بلهفة وهو
ظهره من دون أي اهتمام؛ فرغم أن العجوز لم يمس يشكر العناية الإلهية ،غرقت ساقاه في الوحل ،تبلل
طرفا بنطاله الكتاني ،كان يلهث من السعادة والتعب
الفتاة قط ،ولم يتذوق حلاوتها إلا أنه قد هام بها
عش ًقا لدرجة توهماته بها حينما فقدها ،ولعل عدم أي ًضا ،فجأة وقع على الأرض واختفت صورة
مساس العجوز للفتاة التي رغبها كان السبب فيه الصغيرة ديلغدينا من أمامه ،كان راك ًعا يحدق
أي ًضا المُؤلف ،أي أن المؤلف هو الذي حول حياته في الفراغ ،وفي زخات المطر الغزيرة ،رفع يده إلى
وجهه لكي يتحقق من وجود عينيه في محجريهما،
إلى هذا الجحيم ،أليس المؤلف هو الذي دفعه إلى من حسرته أخذ يبكي ويتمرغ في الوحل»! أليس
هذا المأزق حينما كتب له« :تذكر نصيحة كاسيلدا المؤلف هنا هو الذي دفع الشخصية إلى هذا المأزق
أرمينتا ،ال ُحب القديم من غراميات آخر الليل ،حينما الوجودي الذي بات بسببه يعاني من الهلاوس
قالت له في آخر زيارة له في بيتها :إياك أن تموت البصرية والسمعية نتيجة لوعته بشخصية روائية
قبل أن ُتجرب روعة المُضاجعة عن ُحب» .إن هذه أخرى دفعها الكاتب في طريقه ،لكنها هربت من
النصيحة في حقيقتها وجوهرها ليست نصيحة داخل النص؟ إذن ،فمن المسؤولية الأخلاقية
كاسيلدا أرمينتا ،بل نصيحة المؤلف /ماركيز نفسه تحمل الكاتب ما فعله بخياله ليستمر فيه من أجل
الذي كان يخطط له حياته المُستقبلية؛ لأن كاسيلدا شخصياته المُعذبة ،والتي وضعها على حافة الجحيم
أي ًضا من الشخصيات التي يحركها ماركيز. بيديه وتركها تعاني.
ربما كانت هذه المسؤولية الأخلاقية من المُؤلف تجاه هذه المُعاناة نراها أكثر من مرة داخل النص الروائي
شخصياته هو ما جعل ماركيز يقبل على مضض لبشيري؛ فالرجل العاشق يقف على حافة الجنون
ُمتضرر الرحيل مع العجوز إلى بلاد العرب للبحث ُمنتظ ًرا السقوط فيه« :خرج من الحمام عار ًيا
عن الصغيرة« :انقطع الكلام بينهما ،وأخذ غابرييل
يحدث نفسه :ماذا فعلت يا غابيتو؟ أما لشخوصك وجسمه يرتعش من البرد بعدما مكث تحت صنبور
حق عليك؟ أنت من صنعهم؛ فلتتول أمرهم ولو مرة الماء الساخن ُيطارد بقايا الوحل على وجهه ويديه،
واحدة! بعينين ُممتلئتين بالدموع هز غابرييل رأسه قرر أن يرقص مع الصغيرة ديلغدينا على موسيقى
بالموافقة دون سؤال عن تفاصيل السفر ،وهو يدير البوليرو ،كان يراها قبالته ،جالسة على الأريكة،
رأسه تفاد ًيا لالتقاء عين ّي العجوز بعينيه الدامعتين». وهي تحتضن القط الهرم الذي أدخل رأسه بين
تحرص آمال بشيري على بث العديد من الإشارات نهديها المُتحفزتين لل ُمداعبة ،حسد القط الذي كان
يشم عرقها اللذيذ ،تقدم نحوها ،مد لها يده ،قامت
بين ثنايا سردها ،وهي الإشارات التي بقدر ما بترا ٍخ ،علقت يدها على كتفه ،طوقها برعشة خفيفة،
تشير إلى ما سيحدث في ُمستقبل شخصياتها، أسندت رأسها على صدره ،كانت تفوح منها رائحة
بقدر ما ُتكسب القارئ المزيد من الإثارة انتظا ًرا لما الخزامى والورد البري ،التهم أنفاسها الساخنة
سيحدث ،وكيفية حدوثه ،أي أنها من خلال هذه التي ملأت رئتيه حتى أنه فقد القدرة على التنفس،
الإشارات التي تبثها بذكاء ومهارة تنجح في امتلاك وأخذا في الرقص كعاشقين لم تعرف مثلهما المدينة
القارئ وعدم إفلاته منها ،أو فتور حماسه تجاه منذ عصر مضى ،شعر بخفة جسمه ،كانت ساقاه
أحداث روايتها التي تصوغها بمهارة وإتقان وتؤدة بارعتين في الحركة ،أخذ يدور وينحني وهي تقهقه
واضحة ،ولعل حماس القارئ تجاه العمل الفني هو من الضحك ،كان باستطاعته حملها وهو يضرب
أهم ما يميز العلاقة بين القارئ وهذا العمل؛ لذلك برجليه على الأرض ،أنزل يده إلى خصرها الضيق،
لا يفوت الروائية هنا الانتباه إلى هذه الميزة من أجل وللمزيد من حماسها أخذ يغني هو أي ًضا .توقفت
ميلها في صالحها وصالح نصها الروائي في نهاية الأغنية واختفت الصغيرة ،وأدرك العجوز لحظتها
الأمر؛ فنراها تبتكر لنا شخصية العراف الهندي على