Page 50 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 50
العـدد 30 48
يونيو ٢٠٢1
الذي يراها دائما وكأنها صغيرته الهاربة ديلغدينا ظهر السفينة المُتجهة إلى بلاد العرب وصحرائها
مما يجعله يتعامل معها بأبوة و ُحب ويعمل على الشاسعة ،هذا العراف الذي سيتنبأ بنهاية الرجل
التسعيني« :كان يحدق في العجوز بعيني صقر دون
رعايتها ،لكن العراف الهندي يقترب منه ذات مرة أن يرف له جفن ،تقدم نحوه بثبات محاو ًل النفاذ
ليهمس في أذنه بنبوءته الجديدة« :شعر العجوز
إلى داخله ،ارتبك العجوز أمام هيبة هذا الهندي
بأن الصغيرة التي تقف إلى جانبه لديها الكثير مما الغريب .لم يستطع أن ينطق بكلمة .تقدم هذا الأخير
ترغب في أن تحكيه له .ربما بسبب وقاره الذي
أكثر نحوه ،ودون أن يستأذن أخذ يد العجوز
كان يجاهد للحفاظ عليه ،أو فقط لمُجرد أنها ُمطمئنة المُرتعشة وغاص ُمتأملا الخطوط الطويلة المرسومة
لعجوز لا يقوى حتى على ُمغازلة فتاة في سنها ،لهذا
على كفهُ .شلت ساقا العجوز لسبب ما .لم يشعر
بادرت قائلة :اسمي خوانيتا ،وأنا من سوكري .لم بالخوف وإنما كان هناك شيء ما يقلقه .وأخي ًرا
يجبها العجوز ،بل ظل يحدق فيها وهي تتكلم ببطء: رطن الهندي بلهجة كاريبية واضحة :قرابة القرن،
أسافر إلى بلاد العرب من أجل أن أهرب من الفقر، وأنت على متن قلبك ،لكنك لم تعرف ال ُحب في حياتك
إلا بعد سنتك التسعين .إنك ُتبحر من أجلها ،أنت من
هل تفهم ذلك؟ إن الفقر ُمرعب ،ولا أرغب أب ًدا في يخاف الموج ،ستجدها أينما هي ،لكنها لن تتعرف
الموت فقيرة مثل أمي .صعق العجوز من حديثها عليك؛ فتموت ُحبا!» ،أي أن الروائية هنا حريصة
على اكتساب انتباه القارئ والاستحواذ على انتباهه
المُحزن؛ فسألها ُمتسر ًعا :وكيف ذلك؟ أتأملين بسوقها لشخصية العراف الهندي الذي سيخبرنا
ذلك في بلاد العرب؟ حسنًا ،سمعت بأن للفتيات في ُمنتصف الرواية بما سيحدث ،وهو الأمر الذي
الصغيرات مثلي قيمة كبيرة في بلاد العرب؛ ولهذا سيجعل القارئ المتشوق لمُتابعة الأحداث ُمستم ًرا
قررت التعرف على أحدهم ،لقد تم ترتيب ذلك عن معها لرغبته في معرفة كيف سيلقاها ،وكيف سيتم
طريق ميريام من الحي الصيني .فتح العجوز عينيه
مثل أرنب مذعور .أخذ يتنفس بعمق وهو يتأتئ :ألا الأمر بناء على نبوءته.
تخافين منهم؟ أنت لا تزالين طفلة صغيرة ،يمكنك هذه النبوءة التي ابتكرتها الكاتبة تعمل على
أن تعملي في سوكري أو في بوغوتا ،لماذا كل هذا تعضيدها في نفس القارئ مرة أخرى؛ كي يصدق
العناء؟ لم تحاول خوانيتا ُمجادلة العجوز المذعور؛ أنها نبوءة صائبة وليست محض توهمات من عراف
لأنها كانت على يقين بأنه لن يتفهم وضعها ،لهذا ُمخرف؛ لذلك تعود للرجل الهندي مرة أخرى أثناء
اكتفت بالقول وهي ُتدير ظهرها :لن أموت فقيرة إبحارهم على سطح السفينة حينما يتعرف العجوز
مهما كلفني الأمر ذلك! أراد أن يركض وراءها لكي
التسعيني على فتاة
ُمراهقة تسافر
معهم إلى بلاد
العرب ،ويعرف
منها أنها ُمسافرة
هر ًبا من الفقر،
ولأنها علمت بأن
العرب يحبون
الفتيات الصغيرات.
يحدث شكل من
أشكال التقارب
القوي بين كل من
الفتاة والعجوز