Page 48 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 48
العـدد 30 46
يونيو ٢٠٢1
في الشارع الخارجي تصبح عاجزة عن ُممارسة التي سمعها ،لكنه تماسك واستمر في الحديث:
الحياة ،بل وتعتدي عليها غيرها من الحيوانات حسنًا ،سننسى كل الذي مضى ،لد َّي أخبار جيدة
حتى تقتلها ،-هذا الموقف هو ما رأيناه بالفعل عن الصغيرة .هذه المرة انفجر غابرييل من الغضب،
وكاد صراخه يثقب أذن العجوز :لماذا لا تفهم؟ لقد
تما ًما داخل رواية آمال بشيري حينما قرر العجوز
العاشق بيع منزله واللحاق بدلغدينا في بلاد العرب، انتهيت من النص الذي أنت فيه ،ولم يعد يهمني
مصيره؛ لهذا لا تزعجني أكثر!».
فلقد وجد نفسه في موقف لا ُيحسد عليه؛ لأنه لا
يمكن له السفر من دون اصطحاب ماركيز معه، ألا نلاحظ هنا من خلال هذا الاقتباس الحواري
وإلا باتت رحلته لا طائل منها« :لكن فرحته لم تدم بين كل من ماركيز وشخصية الرجل التسعيني
كثي ًرا؛ لأنه تذكر ُمعاملة غابرييل المُشينة له ،عليه العاشق أن ثمة مسؤولية أخلاقية لا بد أن يتحملها
أن يقنعه بموافقته وإلا سوف لن يكون لسفره أي المؤلف تجاه شخصياته التي يقوم بخلقها في أعماله
فائدة ،فهو من أقحم ديلغدينا في النص ،وهو وحده الروائية ويضعها في العديد من المآزق ،بل ويتركها
الذي يعرفها ،ويستطيع إقناعها بالرجوع معه وإلا. أحيا ًنا أخرى في الفراغ؟ ألا يحق لهذه الشخصيات
أخافته فكرة سفره لوحده ،تصبب عرقا ب ُمجرد أن -المُسيرة -أن يفكر فيها مؤلفها بعد انتهائه من
فكر في احتمال أن يرفض غابرييل مشروع السفر، روايته؟ إنها لم تمتلك إرادتها منذ اللحظة الأولى
أخذ يفكر في حلول منطقية و ُمفيدة لهذه المُشكلة، لخلقها ،كما أنها لم تختر العالم الذي يضعها المؤلف
فيه ،ولا أحداثه ،ولا أفعالها ،بل كل شيء في النهاية
لكنه فهم أنه دون غابرييل لن يجد الصغيرة
ديلغدينا؛ لهذا قرر أن يقنعه بالسفر بأي ثمن كان». يعود إلى المؤلف فقط؛ إذن ِ َلا لا يلتفت المُؤلف
-بشكل عام -إلى هذه الشخصيات بعدما ينتهي
يشبه الموقف بين شخصيات الأعمال الروائية من عمله الروائي وينال ما يناله من نجاح بفضلها؟
ومؤلفيها موق ًفا وجود ًّيا شديد القسوة والبؤس؛
فإذا ما كانت هذه الشخصيات هي السبب الأول أليس لهذه الشخصيات عليه حق؟
والأخير في نجاح المؤلف حينما يكتب عمله الروائي، قد تبدو لنا الفكرة التي نطرحها هنا ُمجرد فكرة
تشطح بالخيال لمداه الأقصى ،لكنها بالفعل فكرة
إذن ،لم يتناساها المُؤلف بعدما ينال شهرته جديرة بأن يطرحها كل روائي على نفسه بعدما
ونجاحاته؟! لم يعطيها ظهره راح ًل عنها ،غير عابئ يحصد نجاح روايته :ما مصير هذه الشخصيات
بها؟ أليس من حقها أن تعرف مصيرها بعدما أقفل التي اختلقتها وتركت مصائرها ُمعلقة في الفراغ؟
روايته؟ أم أن من حقه تركها ُمعلقة في الفراغ كأنها إن رواية بشيري هنا تطرح هذه الفكرة بشكل غير
ُمباشر -ربما من دون قصدية منها -لكنها تتعرض
لم تكن يو ًما؟! صحيح أن هذه الأسئلة قد تبدو لها بشكل ما يجعلنا نفكر فيها بجدية ،لا سيما أنها
للقارئ أحيا ًنا ُمجرد أسئلة عبثية ُمفرطة في الخيال، تحمل في ُعمقها جانبًا أخلاقيًّا ،ومدى مسؤولية
لكنها جديرة بأن ُيلتفت إليها من أجل نقاشها المُؤلف عن شخصياته.
بشكل جدي؛ لأن الموقف الذي دفع به ماركيز هذه الشخصيات التي خلقها المؤلف تظل دائ ًما
الرجل العجوز إلى عشق فتاة ُمراهقة عذراء من ُعمر شخصيات قاصرة عن اختيار مصائرها ،اتكالية
أحفاده قد أوصله إلى حال عبثي يرى فيه الخيالات
وكأنها حقيقة واقعة بعدما هربت منه الفتاة ،وهو طوال الوقت ،غير قادرة على مواجهة الحياة
ما كان له أن يصل إلى هذا الحال لولا تفكير ماركيز وحدها؛ لأنها منذ ُولدت وجدت نفسها تعتمد على
وتخطيطه في روايته ودفعه إلى ذلك -إذن فهو المُؤلف الذي خلقها وصاغها حسب رغبته -تما ًما
يتحمل المسؤولية كاملة عن الجحيم الذي تعيشه كالحيوانات الأليفة المنزلية كالكلاب والقطط مث ًل
شخصية العجوز ،-هذا الجحيم نراه في« :فجأة التي عاشت حياتها بالكامل داخل أحد المنازل؛ فهي
لاحت أمامه صورة الصغيرة ديلغدينا وهي تقود
الدراجة الهوائية الملونة التي أهداها إياها ذات يوم، تعتمد في غذائها وكل حياتها على صاحبها الذي
كانت ساقاها تضربان الهواء ،وهي تحاول الإفلات يرعاها ،لذلك إذا ما ألقى بها إلى العالم الواسع