Page 43 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 43
41 إبداع ومبدعون
رؤى نقدية
ماركيز حيث كتبت بين قوسين «عن رواية ذاكرة استعادة هذه المقدرة الجنسية -رغم يقينه بأنها
غانياتي الحزينات» ،لكن من سيقرأ الرواية سيفهم لن تعود -بأي شكل ،لكنه الرجاء الذي يجعل
أنها قد أخذت شخصيات بعينها من رواية ماركيز
لتتخيل حياتهم المُستقبلية وما يمكن أن يحدث لهم أحدهم -حتى لو لم يكن منطقيًّا -يختار الجلوس
إلى جانب ُمراهقة عذراء عارية من دون أن يلمسها،
فيما بعد.
لم تكتف بشيري بإشارتها في العنوان إلى تأثرها صحيح أننا قد نلمح إلى جانب ذلك رغبة المؤلفين
في الإشارة إلى ال ُحب العذري -وهو ما قد يدركه
برواية ماركيز ،بل كتبت قبل الدخول في عالم القارئ للوهلة الأولى -لكن موضوع ال ُحب العذري
روايتها وأحداثها« :تبدأ القصة حينما تخرج هنا ُمجرد غطاء لتجميل رغبة الرجال في استعادة
ديلغدينا من النص لي ًل ،هاربة نحو الصحراء ،تأخذ فحولتهم الجنسية ،أي أن فكرة ال ُحب هنا لم تكن
لوحة لأورلاندو ريفيرا« ،العزيزة فيغوريتا» ،اللوحة
الوحيدة التي علقها العجوز على الجدار القصديري، أصيلة وجوهرية داخل العملين بقدر ما كانت
وزوج الأقراط الذهبية التي أهداها إياها ذات ليلة، قنا ًعا اجتماعيًّا تستتر من خلفه الرغبة المحمومة في
يستيقظ العجوز العاشق ُمرتعشا من كابوس
ُمرعب حين يرى نفسه ُمخضبًا بالدماء ،ويحس استعادة المقدرة الجنسية لهؤلاء الرجال.
قفصه الصدري يضغط على قلبه الضعيف وهو إن ما فعله ماركيز هنا هو إعادة إنتاج رواية وفكرة
يركض في صحراء شاسعة ،ديلغدينا .فلا يجدها إلى
جانبه على السرير المُهترئ ،عارية ونائمة في سلام أعجبته من خلال أسلوبيته ،وبيئته ،ومفهومه
ملائكي على جانب قلبها ،والزغب الأصفر الناعم الخاص ،أي أن الأمر لم يكن من ُقبيل السطو على
على ظهرها الصلب .يبحث عنها في أدق ركن في رواية كواباتا ،بل إعادة تدوير للفكرة بشكل آخر
المدينة ،وحتى في الميناء النهري ،يبكي بمرارة على ُمغاير وجديد رغم التشابه البيّن بين الروايتين.
عشقه التسعيني ،وأخي ًرا يسمع أنها رحلت في اتجاه هنا جاءت الروائية الجزائرية آمال بشيري التي
الرمال المُتحركة التي لا تترك أث ًرا .يتهم غابرييل قرأت رواية ماركيز وأُعجبت بها؛ فأرادت تمثلها
الذي أقحمه في نص غير منطقي ،وأقحم الصغيرة
ديلغدينا في عشقه المحموم على بضع ورقات بيضاء من خلال أسلوبيتها ومنطقها الروائي الخاص
ليتركه لمصيره الجهنمي ،يطالبه بإعادتها إلى النص، بها ،لكنها لم تفعل مثلما فعل ماركيز مع رواية
يتعاطف معه غابرييل المغرور بنصوصه الساحرة، كواباتا ،بل أعطت لخيالها الفرصة للانطلاق على
يحاول منحه عش ًقا آخر في نص امتداده؛ فتساءلت عن مصير هذه الفتاة العذراء
آخر ،يرفض العجوز العاشق ،لأنه والرجل العجوز في المُستقبل ،أي ما بعد انتهاء
رغم كل شيء فهو يحب دوره في رواية ماركيز؛ من ثم عملت على سلخ الشخصيات
النص ويتلذذ بعشقه المُستحيل، خارج رواية ماركيز ُمتأملة لمُستقبلهم وما يمكن أن
وهكذا تبدأ رحلة الرجلين بحثًا
عن الصغيرة ديلغدينا لتحويلها يؤول إليه الأمر ،وإن لم تكتف بذلك،
إلى جسد يتوهج رغبة ،أو إلى روح بل جعلت ماركيز شخصية روائية
تنبض بالحياة ،أو على الأقل إلى ما
كانت عليهُ ،مجرد اسم على ورق في أي ًضا داخل روايتها ،يتحرك ،ويفكر،
رواية «ذاكرة غانياتي الحزينات». ويتعارك ،ويسافر ،ويتناقش مع
إن هذا المُفتتح الذي بدأت به آمال
بشيري روايتها كان خير افتتاح شخصيته الروائية -الرجل العجوز-
تبدأ به الرواية؛ فهو ليس من قبيل أي أن بشيري هنا بدأت من حيث انتهى
ماركيز ،ولم تحاول ُمحاكاته
في روايته مثلما فعل هو مع
رواية «الجميلات النائمات»،
صحيح أن الروائية قد
أشارت في الصفحة الداخلية
الأولى -التي تحمل العنوان-
إلى أن روايتها عن رواية
آمال بشيري