Page 44 - ميريت الثقافية العدد 30- يونيو 2021
P. 44

‫العـدد ‪30‬‬   ‫‪42‬‬

                                                       ‫يونيو ‪٢٠٢1‬‬

  ‫إلى هناك‪ .‬هنا يقرر العجوز قرا ًرا مجنو ًنا قد يبدو‬      ‫المُقدمات‪ ،‬ولا الشروحات التي قد يبدأ بها الكاتب‬
    ‫للوهلة الأولى ُمجرد قرار أحمق بأن يبيع منزله‬       ‫نصه؛ فيفسده‪ ،‬بل كانت هذه البداية فيها من الذكاء‪،‬‬
                                                        ‫والتشويق‪ ،‬والدهشة‪ ،‬والإثارة‪ ،‬وإثارة التساؤل‪ ،‬ما‬
  ‫الذي ورثه عن أبويه للحاق بالفتاة في بلاد العرب‬        ‫يجعل القارئ ُمستف ًّزا‪ ،‬على أهبة الاستعداد للدخول‬
‫التي يتميز أهلها بالشراسة؛ من أجل استعادة الفتاة‬
 ‫مرة أخرى والعودة بها‪ ،‬كما كان لا بد له من إقناع‬           ‫إلى عالم الرواية الغرائبي الذي هربت فيه إحدى‬
‫ماركيز‪ /‬الكاتب بالسفر معه من أجل اللحاق بالفتاة‬           ‫الشخصيات من نصها؛ لتلحقها شخصية أخرى‬
 ‫والتعرف عليها؛ فالروائي هو أكثر الناس دراية بها‬         ‫من أجل إعادتها إلى النص‪ ،‬بل ويلحقهما الكاتب‪/‬‬
                                                        ‫الروائي نفسه الذي كتب هذا النص في رحلة إعادة‬
  ‫بما أنه هو الذي اختلقها من خياله منذ البداية‪ ،‬أي‬       ‫الفتاة مرة أخرى إلى قواعدها الأولى التي وضعها‬
‫أن ذهاب العجوز وحده ُمستحيل لأنه قد لا يتعرف‬
‫على الفتاة إذا ما التقاها في بلاد العرب‪ .‬بينما تتناول‬                                    ‫لها في روايته‪.‬‬
                                                            ‫ربما لا بد لنا‪ ،‬هنا‪ ،‬من التوقف هنيهة لتأمل ما‬
    ‫في القسم الثاني رحلة كل من الرجل التسعيني‬          ‫أقبلت عليه الروائية من أجل كتابة روايتها؛ فالكاتبة‬
‫وماركيز على ظهر إحدى ال ُسفن التجارية التي تشق‬
                                                              ‫‪-‬التي سلخت الشخصيات من رواية ماركيز‬
    ‫عباب المُحيط الهندي‪ ،‬وهي الرحلة التي سيلتقي‬            ‫عن عالمها‪ -‬تهدف إلى تتبع هذه الشخصيات في‬
  ‫فيها الرجل التسعيني بأحد العرافين الهنود الذي‬            ‫ُمستقبلها بعد انتهاء رواية ماركيز‪ ،‬وهي في هذا‬
 ‫سيخبره بأنه سيلتقي بالفتاة‪ ،‬لكنه سيموت عش ًقا‪،‬‬        ‫التتبع المُستقبلي لا بد لها من استخدام خيالها بشكل‬
  ‫كما يلتقي العجوز ‪-‬في رحلته‪ -‬بإحدى المُراهقات‬          ‫ُمقنع فيما ستكتبه‪ ،‬لكن يجب ألا يفوتنا أنها ستظل‬
   ‫التي يعرف منها أنها قد اختارت السفر إلى بلاد‬            ‫طوال سردها ُمقيدة بعالم ماركيز‪ ،‬وشخصياته‬
                                                       ‫الأخرى‪ ،‬وعالمه الاجتماعي‪ ،‬والجغرافي‪ ،‬وثقافته‪ ،‬بل‬
    ‫العرب لأنها لا ترغب في الموت فقيرة‪ ،‬وبما أنها‬      ‫وبأسلوبيته أي ًضا ‪-‬حتى لا تتباين في أسلوبيتها عن‬
    ‫قد سمعت بأن بلاد العرب فيها الكثير من المال‪،‬‬       ‫أسلوبية ماركيز نفسه‪ -‬أي أنها هنا ترغب في إطلاق‬
   ‫كما أن رجالها يعشقون الفتيات الصغيرات؛ فلقد‬          ‫خيالها من خلال شروط لا يمكن لها الخروج عنها‬
  ‫قررت السفر إلى هناك‪ ،‬وبما أنها صغيرة ستكون‬           ‫وإلا فسد عالمها الروائي الذي تطمح إلى كتابته‪ ،‬وهو‬
    ‫ُمشتهاة منهم‪ ،‬وبالتالي فستربح الكثير من المال‬      ‫ما يضعها في تح ٍّد كبير قد تنجح فيه وتخرج برواية‬
   ‫الذي سيجعلها تموت ثرية بعي ًدا عن حياة الفقر‪،‬‬       ‫جديدة ُمقنعة وجديدة‪ ،‬أو تفشل فش ًل ذري ًعا؛ ف ُتنتج‬
 ‫لكن العراف الهندي سيمر بجوار الرجل التسعيني‬             ‫تجربة روائية ُمتهافتة‪ ،‬وساذجة‪ ،‬و ُمضحكة‪ ،‬فهل‬
     ‫ذات مرة ويهمس له في أذنه بأن هذه الفتاة لن‬
 ‫تصل إلى اليابسة‪ ،‬وهو ما يجعل التسعيني يقع في‬                                   ‫نجحت بشيري في ذلك؟‬
‫حالة من الاكتئاب لأن هذه الفتاة كانت تذكره بفتاته‬      ‫إن رحلة البحث عن الفتاة الهاربة من رواية ماركيز‬
‫الهاربة منه‪ ،‬وبالفعل يصيب المُسافرين مر ًضا غريبًا‬
  ‫أشبه بالحمى لتموت الفتاة قبل وصولهم إلى بلاد‬             ‫‪-‬أحداث رواية آمال‪ -‬تحرص فيها الروائية على‬
   ‫العرب؛ مما يجعل الرجل التسعيني يلبسها ذهب‬            ‫تقسيم العمل إلى ثلاثة أقسام تلجأ فيها إلى الترقيم‬
 ‫أمه الذي كان قد ورثه عنها‪ ،‬ويكسوها بالقليل من‬
‫المال قبل التخلص من جثتها في الماء‪ ،‬وبذلك لا تكون‬           ‫من دون إعطاء أي عناوين لكل قسم منها‪ ،‬لكن‬
  ‫قد ماتت فقيرة‪ .‬في القسم الثالث من الرواية يصل‬           ‫سيبدو لنا هنا أن التقسيم مبني بشكل فيه وعي‬
‫كل من ماركيز والرجل العجوز إلى بلاد العرب ذات‬          ‫لأحداث روايتها؛ فالقسم الأول يتناول هروب الفتاة‬
   ‫الأبنية العملاقة التي ُتشعر المرء بضآلته أمامها‪،‬‬        ‫من الرواية وانزعاج الرجل التسعيني الذي وقع‬
 ‫وجوها الخانق بسبب الحرارة والرطوبة العاليتين‪،‬‬          ‫في عشقها رغم أنه لم يلمسها يو ًما؛ حتى أن حياته‬
 ‫وهناك يبدآن البحث عن الفتاة‪ ،‬وحينما يصلان إلى‬           ‫ستتحول إلى جحيم حقيقي يكاد أن يودي بحياته‪،‬‬
  ‫أحد الملاهي الليلية لأهل الكاريبي يعرفان أن داني‬       ‫فيبدأ في البحث عنها في كل مكان من أرجاء المدينة‬
 ‫تاجر المتا زبون دائم هناك‪ ،‬ومن خلال ُمدير المكان‬         ‫إلى أن يعرف بأن داني‪ /‬تاجر المتا الذي كثي ًرا ما‬
                                                        ‫سافر إلى بلاد العرب قد أخذ الفتاة معه وهرب بها‬
   39   40   41   42   43   44   45   46   47   48   49