Page 31 - ميريت الثقافية- العدد رقم 22 أكتوبر 2020
P. 31

‫‪29‬‬  ‫إبداع ومبدعون‬

    ‫رؤى نقدية‬

 ‫الأقل العداء في نظر قادته‪ -‬وإن كان ق ّدم تبريرات‬                ‫أي تغيير» حتى ولو في أبسط التفاصيل‪ -‬وكأ ّنه‬
 ‫لهذا الحب‪ ،‬الذي اكتسبه من أبيه‪ ،‬وعززته الثقافة‪،‬‬              ‫شبح‪ ،‬إ ّل أنهما ‪-‬بعد غيبته‪ -‬يفتقدان الضابط‪ ،‬فلقد‬
                                                                ‫تعودا على وقع خطواته وهو يهبط من غرفته‪ ،‬كي‬
      ‫وإعجابه بمفكريها‪ ،‬ومن ث ّم‪ ،‬فهو لا يتو ّرع أو‬
    ‫يشعر بالخجل من إظهار إعجابه بفرنسا وروح‬                     ‫يتسامر معهما أمام المدفأة كل ليلة‪ .‬الغريب أ ّنهما‬
                                                                   ‫ُيكابران‪ ،‬ولا ُي ْف ِصحان لبعضهما ع ّما يشعران‬
    ‫فرنسا وثرائها العظيم الذي يعرف أنه هو «سر‬                               ‫ويحسان به من افتقاد له ولوجوده‪.‬‬
                                                                    ‫لكن تحدث المفاجأة‪ ،‬فما أن يعود الضابط من‬
 ‫مقاومتها»‪ ،‬وفي نفس الوقت دائ ًما ناقم على العقيدة‬
  ‫الألمانيّة‪ ،‬والشخصيّة الألمانيّة‪ ،‬بل هو يأم ُل بأ ْن إذا‬    ‫باريس‪ ،‬حتى يختبئ ولكن ‪-‬حسب قول العم‪« -‬ثمة‬
                                                               ‫دلائل كثيرة تفضح وجود الضيف في المنزل‪ ،‬حتى‬
    ‫حدث الا ّتحاد أن ُتش ّذب (أو تر ّقق) ُروح فرنسا‬
      ‫الشخصيّة الألمانيّة الف ّظة‪ ،‬ال َخ ِشنة المُت َغ ِطرسة‬                ‫لو ظل بعي ًدا عن العيون»ز (ص‪)59‬‬
      ‫«س ُتعلِّمهم فرنسا كيف يكونون رجال ُا أطها ًرا‬                ‫قادت الع ّم ال ّصدفة للذهاب إلى القيادة العا ّمة‪،‬‬
                         ‫وعظماء ح ًّقا»‪( .‬ص‪)59‬‬                 ‫وهناك رأه‪ ،‬وقد بدا له «شاحبًا ومخطو ًفا»‪ .‬ث ّم بعد‬
                                                                 ‫حالة من المراوغة والاختباء‪ ،‬يظهر فجأة‪ ،‬ولأ ّول‬
     ‫وإن كان يق ّدم صورة إيجابيّة للفتاة الفرنسيّة‬                ‫م ّرة بعد حالة التعايش ‪-‬الآمن‪ -‬بينهما‪ ،‬يرتدي‬
    ‫في صورة ابنة الأخ‪ ،‬فإنه على النقيض ‪-‬تما ًما‪-‬‬                ‫ال ّزي ال ّرسم ّي‪ ،‬وبصوت مكتوم قال‪« :‬عليَّ أن أُدلي‬
    ‫يسخر من الفتاة الألمانيّة‪ ،‬في صورة الفتاة التي‬            ‫لكما بكلام خطير» (ص‪ ،)64‬وبدأ كلامه بمطالبتهما‬
 ‫كانت خطيبته‪ ،‬وأي ًضا ناقم على رجال السياسة لذا‬                ‫«بنسيان كل ما قاله خلال الشهور ال ّستة»‪ ،‬ثم بعد‬
   ‫هو لا يخالطهم ولا يقترب منهم‪ ،‬مع أن زملاءه‪،‬‬                    ‫نأي وتر ّدد يكشف لهم حقيقة الحرب‪ ،‬وحقيقة‬
                                                              ‫الجنود الألمان الذين سخروا منه وقالوا علانية أنهم‬
   ‫كانوا يكتبون له قائلين‪« :‬تعال فانضم إليها»‪ .‬بل‬             ‫ليسوا موسيقيين‪« ،‬فهم لن يتركوا فرنسا تنهض»‪.‬‬
  ‫إنه يكشف العقيدة الألمانيّة في الحرب‪ ،‬ويرى أ ّنهم‬            ‫روي ًدا روي ًدا كشفوا له زيف الدعايات‪« :‬فالسياسة‬
  ‫شياطين‪ ،‬فهم شياطين هوج‪ .‬بل في أشبه برسالة‬                    ‫ليست حلم شاعر‪ ،‬وأنهم جاءوا إلى فرنسا للقضاء‬

      ‫تحريض على التمرد يقول للعم وابنة الأخ إ ّنه‬                     ‫عليها‪ .‬لا على قوتها فقط‪ ،‬ولكن على روحها‬
 ‫النّضال إنها المعركة الكبرى‪ ،‬بين ما هو مادي وما‬                 ‫أي ًضا»‪ ،‬فحسب قولهم «ففي روحها يكمن الخطر‬

                                       ‫روحاني!‬                      ‫كل الخطر‪َ ،‬س ُنغ ِّرر بها عن طريق الابتسامات‬
                                                               ‫والملاطفات‪ ،‬سوف نجعل منهل كلبة زاحفة»‪( .‬ص‬
‫هذه ال ُّصورة التي أظهره بها ال ّراوي لا تعني ‪-‬بأية‬
‫حال من الأحوال‪ -‬أ ّنه لا يح ُّب ألمانيا‪ ،‬وإنما هو ُيق ّدم‬                                       ‫ص‪)66 ،65 :‬‬
                                                              ‫وفي نبرة يأ ٍس بعدما ا َفصحوا له عن حقيقة الحرب‬
  ‫رؤية مثقف ُمعجب بالأدباء وموسيقى يطمح لأن‬
   ‫يق ِّدم ‪-‬ذات يوم‪ -‬لحنًا‪ ،‬ومن ثم ستكون هزيمته‬                   ‫‪-‬وغرضها‪ -‬في القضاء على فرنسا‪ ،‬ير ّدد «بأنه‬
    ‫المعنوية أكثر فداحة‪ .‬هزيمة «فرن فون أبرناك»‬                  ‫لا أمل»‪ ،‬بل ُيفصح بأن رغبة الفوهرر تتمثّل في‪:‬‬
  ‫كانت في موت الأمل‪ ،‬وحلمه بالوحدة وأن ُتش ِّذب‬                 ‫«إخماد الشعلة إلى الأبد‪ ،‬وأوروبا لن يضيئها بعد‬
    ‫فرنسا ألمانيا وتعيش ألمانيا هانئة‪ .‬فالأخ ال ّشاعر‬
 ‫الرومانسي تب ّدل وخرج ْت من فمه ألفا ٌظ قاسي ٌة لا‬                ‫اليوم ذلك النور»‪( .‬ص‪ )67‬وكانت إشارته إلى‬
   ‫علاقة لها بال ّشعر‪ ،‬بل هي ِنتاج الحقد والكراهية‬            ‫الك ُّتاب والمفكرين‪ ،‬الذين تمنع ألمانيا ال ّسماح بكتبهم‪.‬‬
   ‫فقد بدلّوا إيمانه بال ّشعر والحياة‪ ،‬وصار ساخ ًطا‬            ‫في إشارة دالة على أن –دائ ًما‪ -‬قوى الدكتاتورية‪ ،‬لا‬
                                                               ‫ه ّم لها إلا إسكات أصوات الحاملة والداعية للحرية‬
                 ‫غاضبًا يميل إلى العنف والقسوة‪.‬‬
‫هذه رواية جديرة بالقراءة في زمن ال ّصخب‪ .‬فمثلما‬                                                     ‫والمقاومة‪.‬‬
                                                                   ‫سعى المؤلف لأن يف ّكك الشخصيّة الألمانيّة في‬
  ‫يقول الفيلسوف الرواقي سينيكا «إن ث ّمة موس ًما‬                   ‫صورة آراء هذا ال ّضابط عن الألمان وطبيعتهم‪،‬‬
  ‫للكلام‪ ،‬وثمة موس ًما للصمت» وهذا زمن ال ّصمت‬                   ‫فأظهر الضابط متماهيًّا مع العدو‪ /‬فرنسا ‪-‬على‬

                                        ‫بامتياز!‬
   26   27   28   29   30   31   32   33   34   35   36