Page 307 - m
P. 307

‫الملف الثقـافي ‪3 0 5‬‬

  ‫واحدة وهم يكسبون لقمة‬          ‫النمط؛ الأولى هي «حكايات‬         ‫الاقتصادية بين الطبقات‬
‫عيشهم ويمارسون سلطتهم‬               ‫حارتنا» ‪( 1975‬ظهرت‬          ‫الاجتماعية في مصر‪ ،‬منف ًذا‬
                                   ‫ترجمتها الانجليزية عام‬        ‫في تعبيراته الأكثر صرامة‬
   ‫بطرق مختلفة في «حارة»‬                                        ‫في رواية «يوم ُقتِل الزعيم»‬
   ‫لم ُيذ َكر اسمها‪ ،‬بينما ظل‬     ‫‪ ،)1988‬والتي ُو ِص َفت في‬
‫الزمان والمكان غير محددين‬         ‫الأصل بأنها مجموعة من‬           ‫‪( 1985‬صدرت ترجمتها‬
   ‫تحدي ًدا صري ًحا‪ .‬إن غياب‬      ‫القصص القصيرة‪ ،‬لكنها‪،‬‬            ‫الإنجليزية عام ‪،)1989‬‬
  ‫مثل هذه السمات الخاصة‬           ‫مثل «المرايا»‪ ،‬تبدو وكأنها‬     ‫ولكن‪ ،‬وكما هو الحال مع‬
    ‫ُيضفي على العمل طبيعة‬       ‫تتحدى هذا التصنيف العام‪،‬‬          ‫سلسلة الروايات المكتوبة‬
  ‫أسطورية‪ ،‬حيث ُتستحضر‬             ‫أو ربما بتعبير أكثر دقة‪،‬‬    ‫خلال حقبة الستينيات التي‬
   ‫القيم الأخلاقية والأعراف‬                                      ‫سبق أن أشرت إليها‪ ،‬كان‬
‫الاجتماعية ويتم تحديها من‬           ‫لا تتناسب بشكل ملائم‬          ‫الاستياء المتراكم جليًّا في‬
    ‫قبل الأجيال المتعاقبة من‬     ‫مع الأنواع الأدبية التي تم‬     ‫معظم روايات السبعينيات‪.‬‬
    ‫أحفاد «عاشور الناجي»‪.‬‬                                      ‫وبالمناسبة‪ ،‬يبدو أن روايتي‬
   ‫وعند النظر في مكانة هذا‬         ‫تحديدها على أنها خيالية‬    ‫«الكرنك» التي تناولت تعذيب‬
    ‫العمل الأدبي في مسيرة‬             ‫ضمن التقاليد الأدبية‬       ‫الطلاب واليساريين خلال‬
 ‫محفوظ كروائي‪ ،‬فإن علينا‬             ‫الغربية‪ .‬وهنا‪ ،‬بالطبع‪،‬‬      ‫الستينيات‪ ،‬و»الحب تحت‬
‫أن نبدأ بالإشارة‪ ،‬كما ذكرنا‬                                    ‫المطر» (‪ )1973‬التي ُت َص ِّور‬
   ‫أعلاه‪ ،‬إلى أن محفوظ كان‬          ‫يكمن اهتمامها بالسياق‬     ‫أجواء القاهرة خلال «الحرب‬
   ‫واعيًا دائ ًما بمدى الحاجة‬        ‫الأدبي التاريخي الذي‬       ‫الزائفة “التي سبقت عبور‬
 ‫إلى التطوير المستمر لتقنياته‬        ‫وضحته ساب ًقا في هذه‬     ‫قناة السويس عام ‪ ،1973‬قد‬
 ‫وأسلوبه؛ ويظهر أبلغ دليل‬          ‫المحاضرة‪ .‬ومرة أخرى‪،‬‬         ‫خضعتا لرقابة شديدة قبل‬
 ‫على ذلك في ك ٍل من «المرايا»‬  ‫ُتس َتدعى «الحارة» في العنوان‬  ‫نشرهما‪ ،‬كما أن أجزاء كبيرة‬
 ‫و»حكايات حارتنا»‪ .‬لكن في‬        ‫‪-‬ويجب الافتراض هنا أنه‬         ‫من النص الأصلي محذوفة‬
  ‫الوقت نفسه‪ ،‬كان محفوظ‬            ‫كان متعم ًدا‪ -‬لخلق قصة‬     ‫من الإصدارات المتاحة حاليًا‪.‬‬
    ‫مدر ًكا أي ًضا لظهور جيل‬         ‫رمزية معاصرة تتعلق‬          ‫يجب أن أعترف أن غضب‬
    ‫أصغر من ال ُكتّاب يتمتع‬        ‫بالتوتر بين حياة التقوى‬       ‫محفوظ خلال هذه الفترة‬
   ‫بتجارب حياتية وتطلعات‬         ‫ومتطلبات المجتمع الحديث‪.‬‬     ‫بالذات لم يترجم إلى مجموعة‬
   ‫مختلفة تما ًما عن تجاربه‬          ‫كما أن «الحارة» أي ًضا‬        ‫من الأعمال التي يمكنها‬
                                ‫محورية للعمل الذي يعتبره‬       ‫الصمود أمام اختبار الزمن‪،‬‬
       ‫وتطلعاته‪ .‬وكان أحد‬         ‫محفوظ عمله المفضل‪ .‬أما‬         ‫وذلك من الناحية النقدية‪.‬‬
   ‫أبناء هذا الجيل هو جمال‬      ‫الرواية الثانية‪ ،‬فهي «ملحمة‬       ‫ففي الواقع‪ ،‬لقد أصبحت‬
  ‫الغيطاني‪ ،‬الذي عبَّر بشكل‬     ‫الحرافيش» ‪( 1976‬و ُنشرت‬       ‫العديد من روايات تلك الفترة‬
 ‫لا لبس فيه عن أن مسيرته‬           ‫ترجمتها الإنجليزية عام‬     ‫المضطربة التي سبقت اغتيال‬
‫ككاتب كانت مستلهمة بشكل‬           ‫‪ ،1994‬وهي الرواية التي‬          ‫السادات‪ ،‬مجرد سجلات‬
   ‫كبير من شخصية نجيب‬              ‫أسماها ساخ ًرا نسبة إلى‬        ‫تاريخية لعصرها ولكنها‬
‫محفوظ وكتاباته (في برنامج‬        ‫اللقب الذي ُتع َرف به دائرة‬    ‫ليست مساهمات كبيرة في‬
  ‫تلفزيوني خاص عن نجيب‬               ‫أصدقائه المقربين)(‪.)15‬‬      ‫مسيرة محفوظ الإبداعية‪.‬‬
                               ‫مكر ًرا أسلوب رواية الأجيال‬        ‫ومع ذلك‪ ،‬هناك روايتان‬
     ‫محفوظ‪ ،‬أعلن الغيطاني‬        ‫المتعددة التي استخدمها في‬        ‫تظهران كاستثناءات لهذا‬
   ‫أنه حفظ فقرات كاملة من‬      ‫«أولاد حارتنا» قبل ذلك بعدة‬
   ‫«الثلاثية» عن ظهر قلب)‪.‬‬        ‫سنوات‪ ،‬يتناول «محفوظ»‬
                                ‫مصير عدة أجيال من عائلة‬
   302   303   304   305   306   307   308   309   310   311   312